الحوار الأسري الإيجابي.. مفتاح التماسك الأسري والتنمية النفسية للأبناء

في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، سواء على الصعيد الاجتماعي أو التكنولوجي، أصبحت الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الأسري الإيجابي أكثر إلحاحا من أي و…

الحوار الأسري الإيجابي.. مفتاح التماسك الأسري والتنمية النفسية للأبناء
المؤلف عمرنا
تاريخ النشر
آخر تحديث


في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، سواء على الصعيد الاجتماعي أو التكنولوجي، أصبحت الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الأسري الإيجابي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فقد أدت الثورة الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى خلق فجوات تواصلية بين أفراد الأسرة، مما جعل من الضروري إعادة بناء جسور التفاهم والاحترام المتبادل من خلال حوار فعال وبناء داخل الأسرة.

ويعد الحوار الأسري أحد أهم الركائز التي تقوم عليها أسرة متماسكة ومتزنة نفسيا وفكريا، إذ يوفر بيئة آمنة للتعبير عن الآراء والمشاعر، ويعزز من الترابط الأسري، كما يساهم بشكل مباشر في تقليل الصراعات والصدامات التي قد تنشأ بسبب غياب التواصل الفعال.

لكن، كيف يمكن غرس هذه الثقافة داخل بيوتنا؟ وما هي العوامل الرئيسية التي تؤثر في بناء حوار أسري فعال؟ وما هو الدور المحوري الذي يلعبه كل من الدين الإسلامي والتنشئة التربوية الصحيحة في ترسيخ هذه الثقافة داخل الأسرة المسلمة؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تمثل مدخلا لفهم أعمق لأهمية الحوار في حياة الأسرة، وكيف يمكن تحويله إلى أسلوب حياة ينعكس إيجابا على الأفراد والمجتمع.

العوامل المؤثرة في تنمية ثقافة الحوار الأسري الإيجابي

تتعدد العوامل التي تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في ترسيخ ثقافة الحوار الأسري البناء داخل المجتمع، إذ تلعب مؤسسات التعليم والتوجيه الديني والإعلام دورا مركزيا في تشكيل وعي الأفراد بأهمية التواصل الأسري، إلى جانب عدد من العوامل الداعمة التي تعزز من هذه الثقافة عند توظيفها بطريقة مدروسة وتربوية.

المدرسة، المسجد، ووسائل الإعلام: القوى الثلاث الكبرى في تشكيل الوعي الأسري

كشفت دراسة ميدانية شملت عينة مكونة من أكثر من 5000 مشارك أن هناك ثلاث مؤسسات تعد الأكثر تأثيرا في تعزيز الحوار داخل الأسرة، وهي: المدرسة، المسجد، ووسائل الإعلام.
  • فالمدرسة تعتبر البيئة التربوية الأولى بعد المنزل، حيث يتعلم الأبناء مهارات التواصل، والحوار، واحترام الرأي الآخر. 
  • أما المسجد، فله دور روحي وتربوي عظيم في توجيه أفراد الأسرة نحو قيم الاحترام، والتسامح، والتفاهم، والتي تعد من أسس الحوار الإيجابي في الإسلام.
  • أما وسائل الإعلام، بما تملكه من قدرة على التأثير الواسع والسريع، فهي تسهم بشكل كبير في تشكيل اتجاهات وسلوكيات أفراد الأسرة، سواء بالسلب أو الإيجاب، مما يحتم توجيه المحتوى الإعلامي نحو دعم ثقافة الحوار الأسري، وتسليط الضوء على نماذج ناجحة من التواصل العائلي الفعال.

العوامل الثانوية: الأصدقاء، الأنشطة الثقافية، ومراكز الاستشارات الأسرية

إلى جانب القوى الأساسية، توجد مجموعة من العوامل الثانوية التي يمكن أن تسهم في تعزيز مهارات الحوار داخل الأسرة، ومن أبرزها: 
  • الأصدقاء والزملاء، الذين قد ينقلون تجارب إيجابية في التواصل، خاصة في مرحلة المراهقة والشباب.
  • كذلك تعد الأنشطة الثقافية والترفيهية وسيلة فعالة لتقوية الروابط الأسرية، من خلال توفير بيئة حوارية مرحة وتفاعلية.
  • وأخيرا، تلعب مراكز التدريب والاستشارات الأسرية دورا متناميا في هذا الجانب، من خلال تقديم برامج توعوية وتدريبية تهدف إلى رفع الوعي بمهارات الحوار الأسري، وتزويد الأسر بأدوات عملية لتحسين تواصلها الداخلي، مما يساعد على بناء بيئة أسرية صحية ومستقرة.

الحوار الأسري في الإسلام… تأصيل شرعي وقيمي

يعتبر الحوار الأسري في الإسلام مبدأ أصيلا ومنهجا راسخا، يعكس روح الشريعة الإسلامية التي تقوم على الرحمة، والحكمة، والتفاهم، لا على القمع أو الفرض. لقد قدم الإسلام نماذج نبوية عظيمة، جسدت أسمى صور الحوار التربوي داخل الأسرة، وأسست لثقافة تواصل راق تحفظ للإنسان كرامته، وتزرع في النفوس القيم العليا من طاعة، وبر، وفهم مشترك.

حوار الأنبياء نموذجا: إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل

من أروع مشاهد الحوار التي خلدها القرآن الكريم، ذاك الذي دار بين نبي الله إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام، حين أمره الله عز وجل في رؤيا أن يذبح ابنه. ورغم أن الأمر إلهي لا يحتمل التردد، إلا أن إبراهيم –عليه السلام– اختار أن يشرك ابنه في الحديث، وأن يجري حوارا هادئا وعاطفيا حول الموقف، فقال له كما ورد في سورة الصافات:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102].

لقد جسد هذا الحوار قمة الرحمة، والاحترام، والمشاركة في اتخاذ القرار، حتى وإن كان القرار صادرا من الوحي. وهو بذلك يعلمنا أن الحوار ليس ترفا، بل هو أسلوب تربية راق يشعر الأبناء بأهميتهم، ويعزز لديهم القناعة والثقة، بدلا من التسلّط أو الإملاء.

النبي محمد ﷺ والحوار الأسري: احتواء بالمحبة، وإدارة للخلاف بالحكمة

أما النبي محمد ﷺ، فقد قدم أرقى نموذج في الحوار الأسري الإيجابي، سواء مع زوجاته أو مع أطفاله وأحفاده. لم يكن حواره قائما على الأوامر والنواهي فقط، بل كان مليئا بالرحمة، والرفق، والتفهم العاطفي.
كان ﷺ يصغي، ويحتوي، ويبتسم، ويمازح، ويصلح بين زوجاته بالكلمة الطيبة والنكتة اللطيفة. وقد وردت مواقف كثيرة تظهر كيف كان يقدر رأي زوجاته، ويأخذ بهن في الشأن العام، كما حدث في صلح الحديبية حين أشارت عليه أم سلمة برأي أنقذ الموقف.
أما مع الأطفال، فقد كان ﷺ ينزلهم منازلهم، يتحاور معهم برقة، ويهتم بمشاعرهم، حتى قال أنس بن مالك: "خدمت النبي ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله."

إن هذه النماذج النبوية تشكل قاعدة ذهبية لكل أب وأم يسعيان إلى بناء أسرة متماسكة تقوم على التفاهم والحوار لا الصدام والقطيعة. فالإسلام، بتشريعاته وتعاليمه، يرسخ الحوار الأسري كقيمة أخلاقية وتربوية تثمر بيئة أسرية يسودها الأمان النفسي، والتوازن، والمحبة.

فوائد الحوار الأسري في حل المشكلات

إن الحوار الأسري ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو أداة قوية لحل المشكلات وبناء روابط قوية داخل الأسرة. من خلال الحوار الفعال، يمكن للأسر التعامل مع التحديات اليومية بروح من التعاون والفهم المتبادل، مما يسهم في معالجة القضايا بشكل بناء ومثمر.

وفيما يلي أبرز الفوائد التي يقدمها الحوار الأسري في حل المشكلات داخل الأسرة:

وسيلة لفهم الأبناء وتلبية احتياجاتهم

من خلال الإنصات الجيد والحوار المفتوح، يستطيع الوالدان اكتشاف مشكلات الأبناء قبل أن تتفاقم وتصبح أكثر تعقيدا. إن إعطاء الفرصة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم يعزز الفهم المتبادل بين الأجيال، ويمكن الآباء من ملاحظة أي تغيرات قد تطرأ على سلوكيات أبنائهم، سواء كانت في الجانب النفسي أو الاجتماعي.
هذا التفاعل المستمر يساعد في تلبية احتياجات الأبناء في وقت مبكر، سواء كانت عاطفية أو تعليمية أو اجتماعية، مما يعزز شعورهم بالأمان والاستقرار داخل الأسرة. كما يساهم في تشكيل علاقة صحية بين الأبناء والآباء، حيث يشعر الأبناء بأنهم محط اهتمام ورعاية، مما يعزز لديهم الانتماء والارتباط بالأسرة.

تقليص الفجوة بين الأجيال

إحدى الفوائد الكبرى التي يحققها الحوار الأسري هي تقليص الفجوة بين الأجيال. في كثير من الأحيان، يعاني الآباء من صعوبة في فهم واقع أبناءهم، خاصة مع اختلاف الظروف الاجتماعية والتطورات التكنولوجية. ولكن عندما تتاح حرية التعبير، ويشجع الأبناء على الحديث عن أفكارهم ومشاعرهم، يخلق ذلك فرصا لفهم أفضل للجيل الأصغر وتوفير بيئة حوارية مفتوحة.

الحوار الأسري يساهم في تقليص هذه الفجوة الفكرية والعاطفية، بحيث يصبح الاحترام المتبادل هو الأساس الذي يبني عليه أفراد الأسرة علاقاتهم. الأبناء الذين يشعرون بأن لديهم حق التعبير عن أنفسهم يقدرون وجهات نظر آبائهم وأمهاتهم، مما يؤدي إلى تقارب فكري وعاطفي، ويعزز من التفاهم بين الأجيال.

نتائج دراسات حديثة حول أثر الحوار الأسري في تنمية سمو الذات

إن الحوار الأسري لا يسهم فقط في تحسين العلاقات بين أفراد الأسرة، بل له أيضا تأثيرات إيجابية عميقة على سمو الذات وتنمية الثقة بالنفس لدى الأبناء. وقد دعمت العديد من الدراسات العلمية الحديثة هذا المفهوم، موضحة كيف يمكن أن يسهم التواصل الفعال في بناء شخصيات متوازنة ومتفاعلة بشكل إيجابي مع المجتمع.

سمو الذات وثقة الأطفال بأنفسهم

أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة بغداد أن الحوار الأسري المنتظم له دور محوري في تعزيز سمو الذات لدى الأبناء، حيث يسهم في زيادة الثقة بالنفس والاستقرار النفسي لهم.
فالأبناء الذين ينشأون في بيئة حوارية مفتوحة، يشعرون بالقبول والتقدير، ويكتسبون مهارات التواصل الفعال التي تؤثر بشكل إيجابي في شخصياتهم الاجتماعية. هذه السمات تنعكس بدورها على تفاعلهم الإيجابي مع المجتمع، وقدرتهم على التكيف مع التحديات الاجتماعية والنفسية التي قد تواجههم.
التواصل المستمر مع الآباء يساعد الأبناء على تحديد أهدافهم بوضوح، وبناء قدراتهم الذاتية على حل المشكلات واتخاذ القرارات، مما يعزز لديهم شعورهم بالقدرة على التأثير في محيطهم.

المساواة بين الجنسين في الأثر الإيجابي للحوار الأسري

في دراسة أخرى، أكد الباحثون أن الحوار الأسري الإيجابي لا يقتصر أثره على أحد الجنسين دون الآخر، بل يمتد ليشمل الذكور والإناث على حد سواء. حيث تظهر النتائج أن الأبناء من كلا الجنسين يستفيدون من بيئة الحوار التي تدعم الاحترام المتبادل، وتفتح المجال للتعبير عن الآراء والمشاعر، مما يسهم في تنمية شخصياتهم بشكل متوازن.
ومن هنا، يتضح أن الحوار الأسري ليس مجرد أداة للتواصل، بل هو حاجة إنسانية أساسية تسهم في تكوين شخصيات مستقلة ومتحررة من القيود التقليدية التي قد تقيد تطورهم. وهذا يبرهن على أن الحوار يعد ضرورة لجميع أفراد الأسرة، بغض النظر عن الجنس أو المرحلة العمرية.

الأم كوسيط للحوار… حلقة التواصل بين الأب والأبناء

تلعب الأم دورا محوريا في تفعيل الحوار الأسري، فهي ليست فقط مصدرا للعناية والرعاية، بل تعتبر أيضا حلقة وصل أساسية بين الأب والأبناء. يتسم دورها بقدرتها الفائقة على تقريب وجهات النظر، خاصة في حالات التباين الفكري أو العاطفي بين الآباء والأبناء.

دور الأم في تقريب وجهات النظر

خلصت دراسة حديثة إلى أن 64% من المشاركين يرون أن الأم تلعب دور الوسيط بين الأب والأبناء، مشيرة إلى مدى أهمية هذه الوظيفة في تسهيل التواصل داخل الأسرة. إن الأم، بفضل فهمها العميق لاحتياجات كل فرد من أفراد الأسرة، قادرة على ترجمة مشاعر الأبناء وتوصيلها إلى الأب بطريقة تعكس التفهم والاحترام.
تتميز الأمهات بقدرة فريدة على الاستماع بعناية، ما يعزز قدرتهن على فهم المشكلات وتقديم حلول واقعية. كما أن دور الأم كوسيط يساهم في تعزيز التواصل بين الأجيال داخل الأسرة، ويمكن الآباء من فهم مشاعر الأبناء وتوجهاتهم بشكل أفضل، مما يساهم في حل المشكلات بطريقة أكثر توازنا.

تأثير رأي الأم في قرارات الأب

تشير الدراسة أيضا إلى أن 70% من المشاركين يرون أن رأي الأم يؤثر بشكل كبير في قرارات الأب. هذا يعكس الدور البارز الذي تلعبه الأم في اتخاذ القرارات الأسرية، سواء كانت تتعلق بتوجيه الأبناء أو تحديد الأولويات داخل الأسرة.
إن تمكين الأمهات معرفيا وتربويا يمكن أن يسهم في تعزيز هذه القدرة على التأثير في قرارات الأسرة بشكل إيجابي. ففي كثير من الأحيان، يعتبر رأي الأم مرشدا حكيما يساعد الأب في اتخاذ قرارات مدروسة تعود بالنفع على جميع أفراد الأسرة.

أخلاقيات الحوار الأسري في الإسلام

من أجل أن يكون الحوار الأسري ناجحا وفعالا، لابد أن يستند إلى قيم أخلاقية راسخة توجه سلوك الأفراد وألفاظهم أثناء التفاعل مع بعضهم البعض. يعلمنا الإسلام أن الحوار الأسري ليس مجرد تبادل كلمات، بل هو عملية بناء وتعزيز العلاقة بين أفراد الأسرة، لذلك وضع الإسلام ضوابط أخلاقية واضحة تهدف إلى تحقيق التواصل الإيجابي وتجنب النزاعات والمشاكل. وفيما يلي أبرز أخلاقيات الحوار التي حث عليها الإسلام:

الابتعاد عن السب والسخرية والتهكم

يعتبر السب، السخرية، والتهكم من الأمور التي تتنافى مع آداب الحوار الأسري في الإسلام. السب يؤدي إلى تدمير الثقة بين أفراد الأسرة ويخلق جوا من العدائية وال فقدان الاحترام المتبادل. كما أن السخرية والتهكم تقلل من قيمة الشخص الآخر وتضعف العلاقة الأسرية. وقد بين النبي ﷺ في حديثه الشريف:

"ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء."

تجنب الكبر وتزكية النفس

من الأخلاقيات التي يجب أن تراعيها الأسرة في حوارها هو تجنب الكبر و تزكية النفس. فقد حث الإسلام على التواضع بين أفراد الأسرة، وأكد على ضرورة أن يكون الحوار قائما على الاحترام المتبادل، حيث يجب أن يشعر كل فرد في الأسرة بأنه يقدر كشخص فريد، لا بأن يصنف وفقا لمقاييس شخصية أو اجتماعية معينة. الكبر يولد الجفاء والتفرقة، ويعيق التواصل الفعال.

النهي عن الغلظة والتطاول

يحذر الإسلام من الغلظة و التطاول في الكلام أثناء الحوار، سواء كان ذلك بين الآباء والأبناء أو بين الزوجين. الغلظة تؤدي إلى إضعاف التواصل وتحطيم الروابط الأسرية، بينما التطاول على الشخص الآخر ينتج مشاعر الغضب والصراع. يقول الله عز وجل في القرآن الكريم:

"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" [آل عمران: 159].

الدعوة إلى اللين، والرفق، والاستماع الجيد

من أخلاقيات الحوار الأسري التي يؤكد عليها الإسلام هو اللين و الرفق أثناء التعامل مع الآخرين. فالرفق يعد أحد أقوى أسس التواصل الفعال داخل الأسرة، حيث يعزز من بيئة الحوار ويسهم في تخفيف حدة الخلافات. كما دعا النبي ﷺ إلى ضرورة الاستماع الجيد للطرف الآخر دون مقاطعة، مما يظهر الاحترام للرأي الآخر ويؤدي إلى زيادة التفاهم بين الأفراد.

الحذر من تتبع العورات والهمز واللمز

يحذر الإسلام بشدة من تتبع العورات أو استخدام الهمز واللمز أثناء الحوار. فكل شخص في الأسرة يجب أن يعامل بكرامة واحترام، وأن يتم تجنب التعليقات السلبية أو السخرية من أخطاء الآخرين. هذه التصرفات تؤدي إلى تدهور العلاقات الأسرية وتفشي العداء داخل الأسرة.

عدم الجهر بالسوء أو رد الإساءة بمثلها

يحذر الإسلام من الجهر بالسوء أو رد الإساءة بمثلها أثناء الحوار، حيث يشجع على العفو والصفح كسبيل لتصفية النفوس وبناء علاقات أسرية سليمة. فقد أمرنا الإسلام بتجنب الانتقام أو المقابلة بالمثل، وبدلا من ذلك يعزز من ثقافة التفاهم والإصلاح بين الأفراد.

توصيات لبناء ثقافة حوار أسري فعالة

لتأسيس ثقافة حوار أسري فعالة وداعمة للتواصل الإيجابي داخل الأسرة، لا بد من تبني مجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي تسهم في تعزيز هذه الثقافة على مستوى الأفراد والمجتمع. وفيما يلي أبرز التوصيات التي يمكن أن تحدث فرقا في تحسين جودة الحوار الأسري:

إدماج الحوار في المناهج الدراسية كنشاط تفاعلي تربوي

من أجل تنمية مهارات الحوار منذ الصغر، من الضروري إدماج الحوار كأسلوب تفاعلي في المناهج الدراسية. يمكن تنظيم أنشطة تربوية تفاعلية داخل الصفوف الدراسية تهدف إلى تعزيز مهارات التواصل بين الطلاب وتطوير القدرة على الاستماع والتعبير عن الرأي بطريقة حضارية. هذه الأنشطة يمكن أن تشمل الحوار الجماعي، المناقشات المفتوحة، و تمارين الاستماع الفعال، مما يعزز القدرة على حل المشكلات والتفاهم بين الأفراد، ويسهم في بناء جيل قادر على التواصل الفعال في حياته الأسرية والمهنية.

دعم الإعلام الهادف الذي يعزز الحوار الأسري

إن دور الإعلام لا يقتصر على نقل الأخبار فقط، بل يمكنه أن يكون وسيلة فعالة للتوعية بأهمية الحوار الأسري. لذا يجب دعم الإعلام الهادف الذي يسهم في نشر مفاهيم التواصل الفعال داخل الأسرة. يمكن للقنوات التلفزيونية، الإذاعات، والمواقع الإلكترونية أن تعرض برامج حوارية و محتوى توعوي يعزز من ثقافة الحوار، ويقدم نصائح تربوية عملية للآباء والأمهات حول كيفية التعامل مع الأبناء. كما يستحسن تسليط الضوء على قصص نجاح عن أسر تواصلت بشكل فعال وحققت نجاحا في حل مشكلاتها.

تدريب الآباء والأمهات على مهارات التواصل والإقناع

من أجل تحقيق حوار أسري فعال، يجب أن يكون الآباء والأمهات على دراية بأدوات التواصل و مهارات الإقناع الفعالة. يتم تدريبهم على كيفية إدارة المواقف الصعبة والتعامل مع الاختلافات برفق وحكمة، من خلال دورات تدريبية و ورش عمل تركز على مهارات الاستماع الجيد، التحليل الهادئ، و توجيه الأبناء بشكل إيجابي. إن تمكين الأمهات والآباء من امتلاك مهارات تواصل متقدمة سيحسن من قدرتهم على إيجاد حلول للمشكلات الأسرية والتواصل مع أبنائهم بأسلوب فعّل.

نشر المبادرات المجتمعية التي تُعنى بتمكين الأسرة

لتعزيز ثقافة الحوار الأسري، من المهم دعم المبادرات المجتمعية التي تهتم بـتمكين الأسرة وتوفير الدعم المعنوي لها. يمكن لهذه المبادرات أن تشمل تنظيم ورش عمل، مؤتمرات، و أنشطة جماعية تركز على تحسين العلاقات الأسرية وتعليم المهارات اللازمة للتواصل الفعال بين أفراد الأسرة. من خلال هذه المبادرات، يتم خلق بيئة تفاعلية تسهم في تعزيز الوعي الأسري وتشجيع الأفراد على تبني أساليب حوارية صحية.

تفعيل دور المساجد والمؤسسات الدينية في نشر الوعي الأخلاقي بالحوار

تلعب المساجد و المؤسسات الدينية دورا مهما في نشر الوعي الأخلاقي وتوجيه أفراد المجتمع نحو أخلاقيات الحوار الأسري في الإسلام. من خلال الدروس الدينية، المحاضرات التربوية، و الندوات، يمكن للمؤسسات الدينية توجيه المجتمع نحو أهمية الحوار في تعزيز الروابط الأسرية. يتمكن الأئمة من استخدام التعاليم الإسلامية لتوضيح كيف أن الحوار المبني على اللين و الاحترام هو السبيل لتماسك الأسرة.

إن الحوار الأسري ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو ضرورة تربوية و مجتمعية في عالم يكتنفه التغيرات المستمرة. إذا كانت الأسرة هي النواة الأساسية للمجتمع، فإن ثقافة الحوار الإيجابي هي الروح التي تمنحها الحياة وتضمن استمرارها في النمو والازدهار. فالأسرة المتماسكة والتي تحتضن قيمة الحوار تتمتع بقدرة أكبر على توفير بيئة سليمة لأبنائها، بما يساعدهم على التفاعل الإيجابي مع محيطهم، والنمو الذاتي بشكل صحي ومتوازن.

يجب أن نتذكر أن الحوار الأسري لا يقتصر على تبادل الكلمات فقط، بل هو أداة فعالة لبناء علاقات أسرية قائمة على الاحترام و التفاهم. وإذا أردنا أن نعد أبناءنا لمواجهة التحديات المستقبلية، يجب أن نعلمهم فن التواصل من خلال الكلمات الطيبة و الاستماع الفعال. نحن، كآباء وأمهات، نتحمل مسؤولية كبيرة في بناء بيئة أسرية حاضنة تشجع على التعبير عن الآراء والاهتمامات بعيدا عن التوتر أو النزاع.

فلنحرص على أن ننشئ في بيوتنا بيئة تصغي أولا، تحتوي وتدعم قبل أن نجد هؤلاء الأبناء يبحثون عن الإغاثة من الغرباء. إن الحوار الأسري هو أول خطوة نحو تحقيق الاستقرار العاطفي و النجاح الشخصي، لذا يجب أن نسهم جميعا في بناء هذه الثقافة كأداة أساسية للمستقبل الأفضل.

تعليقات

عدد التعليقات : 0