قصص الأنبياء تحمل بين طياتها العديد من العبر والدروس التي تعكس سنن الله في الأرض، وتوضح عواقب الطغيان والجحود، وكيف تكون نهاية الظلم والفساد. ومن بين هذه القصص العظيمة، تأتي قصة قوم اشتهروا بالعناد والتكبر، ونقضوا العهود والمواثيق، والتفوا على أوامر الله تعالى، فلم يستجيبوا لرسالاته إلا ظاهريا بينما استمر الكفر مستحكما في قلوبهم.
إنهم بنو إسرائيل، القوم الذين على الرغم من كثرة الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم، لم يتورعوا عن قتل الأنبياء بغير حق، وأصروا على مخالفة تعاليمهم، فأصابهم الله بعواقب أفعالهم. ومع كل نبي كان يبعث فيهم، كانوا يظهرون الإيمان بألسنتهم، بينما كانت قلوبهم تمتلئ بالجحود والنفاق. وقد أرسل الله إليهم نبيه وكليمه موسى عليه السلام، فواجه معهم تحديات عظيمة، وشهد من عنادهم ما جعله من أعظم الرسل صبرا وثباتا.
من هو النبي موسى عليه السلام؟
النبي موسى عليه السلام هو أحد أعظم أنبياء بني إسرائيل، وأحد أولي العزم من الرسل، الذين اصطفاهم الله تعالى برسالة التوحيد، وأيده بالمعجزات العظيمة. وهو النبي الذي كلمه الله تعالى مباشرة من دون وحي عبر وسيط، ولذلك يلقب بـ "كليم الله".
بعثه الله سبحانه وتعالى لدعوة فرعون وقومه إلى عبادة الله وحده، وإنقاذ بني إسرائيل من ظلمه وطغيانه. وقد أيده الله بمعجزات باهرة، أبرزها العصا التي تحولت إلى حية تسعى، وانشقاق البحر بعصاه لينجو وقومه من بطش فرعون وجنوده. وقد أنزل الله عليه التوراة لتكون كتاب هداية وتشريع لقومه.
نسب النبي موسى عليه السلام
يعود نسب النبي موسى عليه السلام إلى نبي الله يعقوب عليه السلام، فهو: موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
وينحدر من سبط لاوي، أحد الأسباط الاثني عشر الذين ينحدرون من أبناء نبي الله يعقوب عليه السلام.
صفات النبي موسى عليه السلام
كان النبي موسى عليه السلام يتمتع بصفات جسدية وخلقية مميزة، جعلته من أكثر الأنبياء قوة وهيبة. فقد ورد في الأحاديث الصحيحة أنه كان آدم اللون، أي شديد السمرة، وكان ضخم الجسد، عريض المنكبين، عظيم البنية، حتى قيل إن قوته تعادل قوة عشرة رجال. كما أنه كان سريع الغضب حين يرى الباطل، لكنه كان في ذات الوقت رحيما بأتباعه ومحبا للخير.
ومن صفاته أيضا أنه كان يعاني من ثقل في النطق، وقد دعا الله أن ييسر له ذلك فقال:
{وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (28) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 28-29]
وكان فرعون يسخر منه بسبب ذلك، قائلا باستهزاء:
{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52]
لكن هذه العوائق لم تكن حاجزا أمام عظمة موسى عليه السلام، فقد اختاره الله نبيا ورسولا رغم التأتأة التي كان يعاني منها، ليكون ذلك درسا للأشخاص الذين يواجهون صعوبات، بأن الإرادة القوية والإيمان بالله تتغلب على أي نقص أو ابتلاء.
مكانة النبي موسى عليه السلام في الإسلام
يعد موسى عليه السلام أحد أولي العزم من الرسل، وهم أعظم الأنبياء وأشدهم صبرا وثباتا. وقد كرم الله تعالى ذكره في أكثر من 70 موضعا في القرآن الكريم، مما يدل على عظمة مكانته ودوره الكبير في التاريخ الإيماني للبشرية.
وتنقسم قصة النبي موسى عليه السلام في القرآن إلى مرحلتين رئيسيتين:
قصة موسى مع فرعون
فيها مواجهة الطغيان والاستبداد، والتصدي للظلم، وإظهار معجزات الله، مثل انقلاب العصا إلى حيّة وانشقاق البحر.
قصة موسى مع بني إسرائيل
تعكس الصراع بين الإيمان والضعف البشري، حيث واجه موسى عليه السلام عناد بني إسرائيل وتقلباتهم رغم ما رأوه من معجزات.
الدروس المستفادة من حياة النبي موسى عليه السلام
- الصبر والثبات في مواجهة الظلم والطغيان، فكما صبر موسى على أذى فرعون، يمكن للإنسان أن يتحلى بالقوة عند مواجهة التحديات.
- الثقة بالله والتوكل عليه، كما قال موسى حين اشتد الكرب: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62].
- عدم الاستسلام للعوائق، فحتى لو كان الإنسان يعاني من نقص ما، يمكنه تحقيق العظمة بالإيمان والعمل.
- أهمية القيادة الحكيمة والصبر على الناس، كما فعل موسى مع بني إسرائيل رغم كثرة عنادهم.
حياة النبي موسى عليه السلام قبل النبوة
قبل أن يبعث موسى عليه السلام نبيا، مرت به أحداث عظيمة شكلت شخصيته، وجعلته مهيئا لحمل الرسالة الإلهية. وتبدأ القصة من وجود بني إسرائيل في مصر، بعد أن هاجروا إليها قادمين من فلسطين خلال فترة نبي الله يوسف عليه السلام.
بداية بني إسرائيل في مصر
عاش بنو إسرائيل في فلسطين زمن أنبيائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، ولكن بعد أن استقر يوسف عليه السلام في مصر وصار وزيرا عظيما في قصر فرعون، استدعى أهله من فلسطين للعيش معه هناك، فانتقلوا إلى مصر وهم 86 شخصا فقط.
تضاعف أعداد بني إسرائيل في مصر
مع مرور الزمن، تكاثر نسل بني إسرائيل في مصر حتى أصبح عددهم 600 ألف شخص، وهذا الانتشار الكبير جعل المصريين، وخاصة حكام مصر الجدد (الفرعون وقومه)، يشعرون بالخطر من قوتهم المتزايدة.
بداية اضطهاد فرعون لبني إسرائيل
بعد وفاة يوسف عليه السلام، تولى الحكم فرعون ظالم ومستبد، رأى في بني إسرائيل تهديدا لحكمه، فبدأ باضطهادهم واستعبادهم، وأصدر قرارات قاسية:
- استعباد بني إسرائيل، وإجبارهم على العمل بالسخرة.
- قتل المواليد الذكور والإبقاء على الإناث، خوفا من ظهور قائد منهم يهدد حكمه.
وهنا تبدأ قصة موسى عليه السلام، حيث ولد في زمن كان فرعون يقتل فيه كل مولود ذكر من بني إسرائيل، ولكن الله حفظه بقدرته، ليكون لاحقا النبي الذي سيقف في وجه هذا الطاغية.
عاش بنو إسرائيل في رفاهية ورخاء خلال فترة حكم يوسف عليه السلام في مصر، وذلك لأن فرعون ذلك الزمان، الذي يقال إن اسمه "الريان بن الوليد"، أكرم يوسف وعائلته وأحسن إليهم. لكن الحال تغير بعد وفاة يوسف عليه السلام، وتعاقب على حكم مصر فراعنة ظالمون، بدأوا ينظرون إلى بني إسرائيل بعين الريبة والخوف من تزايد أعدادهم ونفوذهم.
الفراعنة الذين حكموا بعد يوسف عليه السلام
- قابوس بن مصعب: كان كافرا وظالما، وبدأ في التضييق على بني إسرائيل واستعبادهم.
- الوليد بن مصعب (رمسيس الثاني): هو الفرعون الذي عاصر موسى عليه السلام، وهو الذي وصلت في عهده ذروة الاستبداد والطغيان ضد بني إسرائيل.
استعباد بني إسرائيل وتجبر فرعون
مع صعود "رمسيس الثاني" إلى الحكم، بدأ مرحلة جديدة من الاستبداد والقمع، حيث عمد إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات، وجعل بني إسرائيل في أدنى المراتب كعبيد، يستخدمون في بناء المعابد والمدن بأعمال شاقة وقاسية. وقد وصف الله تعالى جبروت فرعون بقوله:
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4].
وبدأ فرعون يزداد طغيانا وكبرا، حتى جعل نفسه إلها يدعي العبادة، وقال لقومه متعاليا:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].
بل وصل به الغرور إلى أن قال:
{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24].
واستغل استسلام قومه له، فتمادى في ظلمه واستعباده للناس:
{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54].
رؤيا فرعون وقرار قتل مواليد بني إسرائيل
في إحدى الليالي، رأى فرعون في منامه رؤيا أفزعته:
"أن نارا خرجت من بيت المقدس، فانتشرت في بيوت المصريين وأحرقتها، لكنها لم تمس بيوت بني إسرائيل."
فاستدعى الكهنة والسحرة ليسألهم عن تفسيرها، فقالوا له:
"سيخرج من بني إسرائيل غلام يكون سببا في هلاك ملكك ودمار عرشك!"
فأصدر قرارا وحشيا بقتل كل مولود ذكر يولد لبني إسرائيل، خوفا من تحقيق هذه النبوءة.
كيف نفذ فرعون قراره؟
- جند الجواسيس والمخبرين لمراقبة النساء الحوامل بين بني إسرائيل.
- أمر القوابل (النساء اللاتي يساعدن في الولادة) بقتل كل مولود ذكر فور ولادته.
- هدد القابلات بالقتل إن خالفن أوامره، ليضمن تنفيذ مخططه بالكامل.
وهكذا، دخل بنو إسرائيل في مرحلة من أشد العذاب والابتلاء، إذ كانوا يفقدون أبناءهم الذكور الواحد تلو الآخر، بينما لا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم أو مواجهة هذا الطغيان.
ولكن رغم كل هذا الظلم، كان لله تدبير آخر... فقد شاءت إرادته أن يولد موسى عليه السلام في هذا الزمن العصيب، لكنه سيكبر ليكون هو نفسه السبب في هلاك فرعون ونهاية طغيانه!
نهاية فرعون كانت على يد من كان يخشاه!
لم يكن فرعون يعلم أن المولود الذي خشيه، واتخذ كل تلك التدابير لقتله، سيكون هو الذي نشأ في قصره وتحت رعايته، وسيكون سببا في هلاكه وزوال ملكه!
وهكذا يعلمنا الله أن الظلم مهما طال، لا بد أن ينتهي، وأن مخططات الطغاة مهما كانت قوية، فإن قدرة الله فوقها جميعًا.
آسيا بنت مزاحم: امرأة تحت ظل طاغية لكنها من سيدات الجنة
من هي آسيا بنت مزاحم؟
آسيا بنت مزاحم هي زوجة فرعون، لكنها لم تكن مثله في طغيانه وكفره، بل كانت مؤمنة موحدة بالله رغم أنها عاشت في قصر من أكثر الطغاة جبروتا وظلما. كانت من المصريين، وعرفت بعفتها ورجاحة عقلها.
زواجها من فرعون
عندما أراد فرعون الزواج منها، حاول والدها أن يرفض بحجة صغر سنها، لكنه أجبره على الموافقة بالتهديد والوعيد، فوافقت آسيا على الزواج منه مكرهة، لكنها لم تحبه يوما، وكانت تبغضه في قلبها رغم الحياة الفاخرة التي كانت تعيشها في قصره.
مكانتها في الإسلام
شهد لها النبي ﷺ بالكمال، فقد كانت واحدة من أربع نساء هن خير نساء العالمين، كما جاء في الحديث الصحيح:
قال رسول الله ﷺ:
"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ، وآسيا بنت مزاحم زوجة فرعون." [متفق عليه]
رغم أنها كانت تعيش في قصر الطاغية الأكبر في زمانها، إلا أن قلبها كان معلقا بالإيمان، وكانت تعبد الله سرا، حتى أظهر الله أمرها وعاقبها فرعون على إيمانها.
قصة ولادة موسى عليه السلام: ميلاد المعجزة وسط الخطر
في ظل الظلم والاستبداد الذي مارسه فرعون على بني إسرائيل، كانت امرأة صالحة تعيش في خوف وحذر، تلك هي أم موسى عليه السلام، التي كانت تحمل في أحشائها غلاما سيغير مجرى التاريخ، لكنه ولد في أخطر فترة يمكن أن يولد فيها، حيث كان فرعون يقتل كل مولود ذكر يولد لبني إسرائيل.
إخفاء الحمل والولادة في السر
مع اقتراب موعد ولادتها، ازدادت مخاوف أم موسى، فكانت تخفي حملها بكل ما أوتيت من حذر، حتى لا ينكشف أمرها أمام جواسيس فرعون.
وعندما جاءها المخاض، لم تطلب قابلة لمساعدتها، خوفا من أن تخبر السلطات بأمر المولود، فولدت موسى عليه السلام في سرية تامة، وكانت لا تعلم ماذا تفعل به، لكنها ألهمت من الله أن ترضعه وألا تخاف:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7].
إلقاء موسى في النهر وبلوغه قصر فرعون
عندما اقترب التفتيش من بيتها، نفذت أمر الله، فوضعت طفلها موسى في تابوت خشبي وألقته في النهر، لكنها لم تكن تعلم إلى أين سيذهب، لكنها كانت مؤمنة بوعد الله أنه سيعود إليها.
سار التابوت في النهر، وكانت أخته مريم تراقبه من بعيد بحذر، حتى لا يضيع أو يغرق، وكانت المفاجأة أن التابوت وصل إلى قصر فرعون نفسه!
{إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (39) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39].
التقطت جواري القصر التابوت، وحين فتحنه، وجدن طفلا جميلا يشع نورا وبراءة، فأخذنه إلى آسيا بنت مزاحم، زوجة فرعون، التي ما إن رأته حتى أحبته حبّا شديدا.
آسيا تنقذ موسى من القتل
عندما رأى فرعون الطفل، أدرك أنه من بني إسرائيل، فأراد قتله فورا تنفيذا لقراره بقتل كل مولود ذكر منهم، لكن زوجته آسيا دافعت عنه بإصرار شديد.
قالت آسيا لفرعون:
{وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [القصص: 9].
وافق فرعون كارها، وقال: "قرة عين لك وليس لي!"، ولو قال "قرة عين لي" لما هلك لاحقا على يد موسى.
وهكذا نشأ النبي الذي كان فرعون يخشاه تحت سقف قصره، وتحت رعايته، ولكن الله كان يدبر أمره بحكمة عظيمة.
عودة موسى عليه السلام إلى أمه: تحقيق وعد الله
بعد أن ألقت أم موسى وليدها في اليم تنفيذا لوحي الله، عاشت لحظات من الخوف الشديد والقلق العارم، فقد كان فلذة كبدها في قبضة أعتى طاغية عرفه التاريخ. كان قلبها معلقا به، تكاد تفقد صبرها، وتوشك أن تبوح بسرها، لولا أن الله ربط على قلبها وثبتها بالإيمان.
{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10].
رفض موسى لكل المرضعات
في قصر فرعون، كان الطفل يبكي بشدة بحثا عن الرضاعة، فأحضرت آسيا بنت مزاحم له المرضعات من كل أرجاء القصر، لكنه كان يرفض الجميع!
حار الجميع في أمره، وبدأ القلق يظهر على وجه آسيا، فهي تحب هذا الطفل بشدة، وتريده أن ينجو، لكنها لا تجد له حلا.
{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} [القصص: 12]، أي أن الله قدر ألا يقبل الرضاعة من أي امرأة أخرى.
أخته تتدخل بذكاء
في هذه اللحظة، ظهرت أخت موسى عليه السلام – التي كانت تراقب الأمر من بعيد – وتقدمت بكل ذكاء وقالت:
{فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12].
لم تكن كلماتها مباشرة حتى لا تثير الشكوك، بل عرضت الأمر بطريقة ذكية، حيث قالت إنها تعرف بيتا صالحا يمكنه رعاية الطفل وإرضاعه بحب وإخلاص.
تحقيق وعد الله وعودة موسى إلى أمه
وافقت آسيا بنت مزاحم على اقتراح الفتاة، وأرسلت جنود القصر ليبحثوا عن هذه المرضعة، وهنا كانت المفاجأة الكبرى:
إنها أم موسى نفسها!
بمجرد أن احتضنت أم موسى طفلها، التصق بها وبدأ يرضع بارتياح، وعندها شعر الجميع بالراحة والسعادة، فقد وجدوا أخيرا مرضعة تقبل بها.
{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص: 13].
وهكذا، عاد موسى عليه السلام إلى حضن أمه، لكن ليس كأي طفل آخر، بل عاد محميا من بطش فرعون، بل وتدفع لأمه أجرا على تربيته!
وهنا تتجلى حكمة الله العظيمة، فقد حفظ نبيه، وأرجعه إلى أمه ليطمئن قلبها، وكل ذلك كان بأمر من الله الذي لا يخلف وعده.
ماذا بعد؟
نشأ موسى عليه السلام في قصر فرعون، لكنه كان يحمل في داخله روح بني إسرائيل، فهو ليس كأمراء القصر، بل سيكون من سيغير مصيرهم للأبد!
موسى عليه السلام: حادثة القتل والهروب إلى مدين
بعد أن كبر موسى عليه السلام وترعرع في قصر فرعون، أصبح شابا قويّا آتاه الله العلم والحكمة. ومع أنه نشأ في القصر، إلا أن قلبه كان مع بني إسرائيل، يشعر بآلامهم ومعاناتهم تحت ظلم فرعون واستعباده لهم.
مقتل المصري بغير قصد
في أحد الأيام، وبينما كان موسى عليه السلام يمشي في المدينة وقت الغفلة (وهو وقت يكون فيه الناس قليلين في الطرقات)، رأى رجلين يتشاجران، أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من المصريين.
طلب الرجل الإسرائيلي النجدة من موسى، فتدخل ليدفع الظلم عنه، لكن عندما وكز المصري (أي دفعه بقوة)، سقط الرجل ميتا في الحال!
{فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15].
شعر موسى بالصدمة الشديدة والخوف، فهو لم يكن ينوي قتله، بل أراد فقط ردعه، لكنه لم يدرك قوته. فأدرك أن هذا الفعل كان من نزغات الشيطان، فندم واستغفر الله.
{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (16) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16-17].
انكشاف أمر موسى
في اليوم التالي، خرج موسى عليه السلام يتحسس الأخبار بحذر وخوف، فوجد نفس الرجل الإسرائيلي الذي دافع عنه بالأمس يتشاجر مع مصري آخر.
عندما رأى موسى ذلك، غضب من هذا الرجل، وقال له:
{إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} [القصص: 18]، أي أنك شخص كثير المشاكل.
وبينما كان موسى يريد التدخل مرة أخرى، سمع المصري يقول له:
{أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ} [القصص: 19].
عندها أدرك موسى أن الأمر قد انكشف، وأن المصريين أصبحوا يعرفون أنه هو من قتل الرجل بالأمس.
هروب موسى عليه السلام من مصر
في هذه اللحظة، جاءه رجل صالح من داخل القصر مسرعا يحذره من مؤامرة تحاك ضده، فقد اجتمع فرعون وحاشيته واتخذوا قرارا بقتل موسى!
{وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20].
لم يكن أمام موسى خيار آخر، فخرج وحيدا بلا زاد ولا دابة، هائما في الصحراء، لا يعرف وجهته، لكنه كان موقنا أن الله معه.
{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 21].
الرحلة الشاقة إلى مدين
كانت رحلة موسى في غاية المشقة، حيث:
- قطع صحراء سيناء ماشيا بلا دابة.
- تشققت نعاله، ودميت قدماه من كثرة المشي.
- أكل أوراق الشجر من شدة الجوع.
ومع ذلك، لم يفقد الأمل، بل ظل يدعو الله أن يرشده إلى الطريق الصحيح.
{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ} [القصص: 22].
ظل يسير حتى وصل إلى مدين، حيث تبدأ مرحلة جديدة في حياته، فماذا سيحدث هناك؟
قصة زواج سيدنا موسى عليه السلام
بعد أن فر موسى عليه السلام من مصر وهرب إلى مدين، حيث شعر بالتعب والخوف، رشده الله تعالى إلى بئر ماء في أطراف المدينة.
وصول موسى إلى مدين:
عند البئر، كان هناك ازدحام شديد بسبب الرعاة الذين كانوا يسقون إبلهم وأغنامهم. بينما كان موسى يتأمل الوضع، لاحظ امرأتين تبتعدان عن السقي. فاستغرب من ذلك وسألهما:
{مَا خَطْبُكُمَا؟}
السبب وراء تراجع المرأة:
أجابتا أنهما لا تستطيعان السقي مع الرجال لحياء شديد، كما أن لديهما أبا كبيرا في السن، ولا يستطيع مساعدتهما.
سقي موسى عليه السلام للمرأتين:
حينها قرر موسى عليه السلام أن يتطوع ويسقي لهما إحسانا وصدقا. بعد أن سقى لهما، ذهب إلى ظل شجرة ليجلس مرتاحا، وطلب الدعاء لله:
{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24].
دعوة إلى الأجر:
بعد فترة، جاءت إحداهما وقد كانت متحجبة بحياء، لتطلب منه أن يأتي معهما لأن أباهما يريد أن يكرمه ويعطيه أجرا على ما قام به.
موسى مع شعيب عليه السلام:
موسى عليه السلام سار خلفها، وقد كانت ترشده للطريق حتى وصل إلى منزل النبي شعيب عليه السلام.
شعيب يعرض العمل على موسى:
بعد أن عرف شعيب قصة موسى، قرر أن يطمئنه ويعرض عليه العمل لديه، مع أجر مقابل العمل. ثم جاء العرض من إحدى بناته التي كانت حكيمة، حيث قالت:
{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26].
الزواج من إحدى بنات شعيب:
عرض شعيب عليه السلام على موسى أن يعمل عنده لمدة 8 سنوات، أو 10 سنوات إن أحب، وأما أجره فيكون مهرا لابنته، فوافق موسى على هذا العرض.
{فَقَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيَّ} [القصص: 28].
إتمام العشر سنوات:
عندما سئل رسول الله ﷺ عن الأجل الذي قضاه موسى عليه السلام، أجاب أنه أتم العشر سنوات، حيث كان موسى عليه السلام قد اختار الأجل الأطول.
من خلال هذه القصة، نلاحظ عدة دروس عظيمة:
- إحسان موسى في سقيه للمرأتين من دون انتظار مقابل.
- مساعدة الله تعالى للمتوكل عليه والمخلص في دعائه.
- حكمة شعيب عليه السلام في اختيار موسى للعمل عنده، إذ كانت القدرة على العمل والأمانة هي الأساس في اختياره.
- الزواج بناء على الوازع الديني من خلال الطيب والنية الصافية بين موسى وابنة شعيب.
نبوة موسى عليه السلام
بينما كان موسى عليه السلام في طريقه إلى مصر مع زوجته بعد أن قضى فترة من العمل في مدين، كان البرد شديدا والتائه في الطريق. وبينما كان في هذه الظروف الصعبة، رأى عن بعد نارا، فشعر بالأمل في العثور على الدفء أو على من يرشدهم إلى الطريق الصحيح.
{وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (10) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [القصص: 10].
رؤية النار ولقاء الله:
اقترب موسى عليه السلام من النار، وإذا به يسمع نداء من الله سبحانه وتعالى، وهو النداء الذي غير مجرى حياته:
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 11].
هكذا كانت اللحظة التي بدأ فيها موسى عليه السلام تلقي الرسالة الربانية، وهو ما فتح له باب النبوة، ليصبح رسول الله إلى فرعون وقومه، ولبداية دعوته إلى التوحيد و إصلاح المجتمع.
بداية النبوة:
هذه الحادثة هي بداية النبوة لموسى عليه السلام، حيث أعطاه الله التكليف بالرسالة، وأمره أن يخلع نعليه لأن المكان الذي كان يقف عليه مقدس.
وبهذه اللحظة أصبح موسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، مؤهلا لحمل رسالة الله إلى فرعون وبني إسرائيل.
كليم الله موسى عليه السلام
عندما وصل موسى عليه السلام إلى النار، تفاجأ بها في أصل شجرة في الواد المقدس طوى، ثم جاءه النداء العظيم من الله سبحانه وتعالى، الذي قال له:
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: 12-16].
بهذا النداء بدأ التكليف الإلهي لموسى عليه السلام، وبدأت النبوة التي كانت محورية في تاريخ البشرية. في تلك اللحظات المباركة، اختار الله موسى عليه السلام ليكون رسولا إلى فرعون وقومه، ودعاه إلى عبادة الله وحده وإقامة الصلاة.
أعطى الله موسى عليه السلام آيات معجزات لدعم دعوته، وكان أولها العصا التي تحولت إلى حية عظيمة عندما ألقاها، ففزع موسى، ثم أمره الله بأن يمسك بها، فعادت عصاه كما كانت.
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَمَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه: 18-24].
أمره الله أن يذهب إلى فرعون، وأن يدعوه إلى الإيمان بالله، فبدأ موسى عليه السلام بالتضرع إلى الله طالبا العون على هذه المهمة الصعبة. كان موسى عليه السلام يعاني من التأتأة في لسانه، فطلب من الله أن يشرح صدره ويسهل أمره، ويجعله قادرا على إبلاغ رسالته بوضوح، كما طلب أن يرسل معه أخاه هارون ليكون مساعدا له.
{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا} [طه: 26-36].
استجاب الله لدعوة موسى عليه السلام وأعطاه الطاقة والقدرة على تنفيذ مهمته، فأصبح لسانه ينطق بالدعوة بقوة، وأرسل الله معه أخاه هارون ليكون وزيرا له في هذه المهمة.
أمر الله سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام بمهمتين أساسيتين في دعوتهما إلى فرعون:
دعوة فرعون وقومه إلى الإيمان بالله بأسلوب رقيق ورفيق، حتى مع أكثر الناس طغيانا مثل فرعون. كان المبدأ هو أن تكون الدعوة بالكلام الطيب والمناسب لعل فرعون يتذكر أو يخشى الله تعالى.
{اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (43) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (44) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43-44].
إخراج بني إسرائيل من مصر إلى فلسطين بعد العذاب الذي لحق بهم، حيث طلب موسى من فرعون أن يسمح لهم بالخروج معا.
{فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 47].
عندما التقى موسى عليه السلام بفرعون، حاول فرعون أن يتحدث عن ماضي موسى، متسائلا عن نشأته في قصره، وعن حادثة قتل الرجل الذي فر موسى بسببها.
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (19) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الشعراء: 19].
أجاب موسى عليه السلام بكل حكمة و قوة، حيث أشار إلى ظلم فرعون لبني إسرائيل، وأنه عومل منهم بالنعمة بعدما عبد بني إسرائيل.
{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22].
ثم بدأ موسى عليه السلام بالحديث عن الدعوة التي جاء بها، وحدثه فرعون عن الله تعالى، حيث كان فرعون في دهشة من حديث موسى عليه السلام. سأل فرعون عن رب موسى، فجاء الرد من موسى عليه السلام بالبيان الشامل والمباشر، موضحا عظمة الله في خلقه.
{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (50) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (51) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (52) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (53)} [طه: 50-53].
وذكر موسى عليه السلام أيضا آيات الله العظيمة التي بينت عظمة الخلق، مثل خلق الأرض و إنزال المطر الذي أخرج به أنواع النباتات، كما ذكر له أيضا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان، ومنه الحياة والرجوع.
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (54) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى (55) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 54-55].
خلاصة الحوار
لقد كان موسى عليه السلام يواجه الطغيان بأعظم وسيلة: الحكمة و البيان، موضحا لفرعون قدرة الله في خلق الكون، وداعيا إياه للعودة إلى الصواب وإلى الإيمان بالله وحده.
معجزات موسى عليه السلام
على الرغم من البيان القوي والحجة التي جاء بها موسى عليه السلام، إلا أن فرعون استمر في الاستكبار والتعنت، فكان لابد من إظهار المعجزات التي يؤكد بها موسى عليه السلام صدق دعوته.
المعجزات التي أظهرها موسى:
تحول العصا إلى ثعبان هائل:
عندما أمر الله موسى أن يلقي عصاه، تحولت العصا إلى ثعبان عظيم، فما كان من فرعون إلا أن تفاجأ ودهش من هذه المعجزة. ثم طلب أن يثبت موسى صحة رسالته بتقديم معجزات أخرى.
{فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 21].
إخراج يده لتصبح بيضاء:
ثم أمره الله أن يدخل يده في جيبه، وعندما أخرجها أصبحت بيضاء من غير أي مرض أو عيب، مما جعل فرعون وحاشيته مندهشين أيضا من هذه الآية.
{وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى} [طه: 23].
اتهام موسى بالسحر:
رغم هذه المعجزات، لم يقتنع فرعون وحاشيته بل أخذوا يتهمون موسى عليه السلام بأنه ساحر يريد إخراج بني إسرائيل من مصر بسحره، فأصروا على موقفهم.
{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} [الإسراء: 57].
التحدي مع السحرة:
ثم قرر فرعون أن يتحدى موسى في مبارزة مع السحرة. دعا فرعون كبار السحرة في المملكة لملاقاة موسى عليه السلام، على أن يكون اللقاء في يوم العيد، وفي مكان مفتوح أمام الناس جميعا. هذا الحدث كان بمثابة اختبار لموسى عليه السلام ليثبت صدق دعوته للناس.
{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (58) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (59)} [طه: 58-59].
كان التحدي بين موسى عليه السلام والسحرة في هذا اليوم مفصليا، حيث كان سيظهر بوضوح تفوق معجزة موسى على سحر فرعون وسحرة مملكته.
في اليوم الموعود الذي تحدد فيه اللقاء بين موسى عليه السلام و السحرة، اجتمع الناس في مكان مفتوح لمشاهدة المعركة بين المعجزات و السحر. وكان هناك أربعون ساحرا قد تربوا على السحر منذ الصغر تحت إشراف فرعون.
في بداية اللقاء، حذر موسى عليه السلام السحرة قائلا لهم:
{وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه: 61].
لكن السحرة، رغم علمهم بأن سحرهم لن يقارن مع المعجزات التي سيظهرها موسى، قرروا التوحد معا. فقد وعدهم فرعون بأجر عظيم ومكانة رفيعة إذا نجحوا في التغلب على موسى.
{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه: 63].
اتفق السحرة على أن يواجهوا موسى في هذا اليوم الحاسم. ثم قالوا: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه: 64].
بدأ المشهد العظيم حيث وقف موسى عليه السلام أمام السحرة، الذين ألقوا عصيهم وحبالهم في الأرض، وما لبثت أن سحروا أعين الناس وجعلوا المشهد يبدو كأنه حقيقة. حتى موسى عليه السلام شعر في البداية ببعض الخوف من هذا المشهد المدهش.
لكن الله تعالى قد طمأن موسى قائلا له: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (68) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى (69) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 68-69].
كانت هذه الكلمات بمثابة تأكيد من الله تعالى لموسى أن معجزاته ستكون أعلى وأعظم من كل ما صنعه السحرة.
بعد أن رأى السحرة المعجزة التي صنعها موسى عليه السلام، آمنوا بالله تعالى، وسقطوا ساجدين أمام الله قائلين: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [الأعراف: 71].
لكن فرعون، الذي لم يحتمل أن يتخلى هؤلاء السحرة عن طاعته ويفضلوا إيمانهم بالله، غضب بشدة واتهمهم بالتواطؤ مع موسى عليه السلام. وتوعدهم بعقوبات شديدة، قائلا لهم: {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [الأعراف: 72].
لكن السحرة كانوا قد استقر الإيمان في قلوبهم، ولم يخفهم تهديد فرعون. فأجابوه بكل ثبات وقوة: {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعراف: 73].
لقد كانوا مستعدين لتقديم كل شيء من أجل إيمانهم بالله، وأيقنوا أن عذاب الدنيا لن يقارن بالثواب الأبدي الذي سيجدونه عند الله سبحانه وتعالى.
في الوقت الذي قرر فيه فرعون قتل موسى عليه السلام خوفا من تأثير دعوته على سلطانه ودين قومه، جاء مؤمن آل فرعون، الذي كان يخفى إيمانه، ليقف مدافعا عن موسى عليه السلام. هذا الرجل كان له شجاعة في قول الحق رغم المخاطر.
عندما قرر فرعون قتل موسى، قال هذا الرجل المؤمن:
{أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28].
كان هذا المؤمن من آل فرعون يذكر فرعون بأن موسى لم يكن سوى رجل صادق جاء بآيات بينات من الله، محذرا إياه من العواقب التي قد تحدث إن كان موسى صادقا في دعوته. كما أشار إلى أن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، وأنه لا مفر من قدر الله.
هذا الموقف أظهر شجاعة وإيمان الرجل المؤمن، الذي رغم كونه في محيط فرعون الظالم، اختار الوقوف مع الحق وطلب النجاة من الله.
عندما استمر فرعون في تعنته وكفره، وأصبح يظلم بني إسرائيل بشكل أشد، بدأ موسى عليه السلام في الدعوة إلى الصبر والاستعانة بالله، فحث قومه على الثبات وقال لهم: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 129].
رغم ما كان يعانيه بني إسرائيل من العذاب، فإن الله تعالى قد أمر موسى عليه السلام بالصبر، وأخبرهم أن الله سيرثهم الأرض بعد أن يهلك عدوهم.
أما فرعون فقد استمر في جحوده وتكذيبه بالله، حتى أنه طلب من هامان بناء برج عال ليطلع على إله موسى. لكن الله تعالى أرسل عليه وعلى قومه العديد من الآيات التي أظهرت عذابا شديدا، ومع كل آية كانوا يعاندون ولا يؤمنون:
- العصا: تحولت عصا موسى إلى ثعبان هائل.
- اليد: أصبحت يد موسى بيضاء من غير مرض.
- السنين: أصابهم القحط والجفاف.
- نقص الثمرات: فسدت الزروع.
- الطوفان: غمرت المياه الأرض وعم النيل.
- الجراد: انتشر الجراد في كل مكان، حتى في طعامهم وملابسهم.
- القمل: أصبح رؤوسهم مليئة بالقمل.
- الضفادع: غزت الضفادع البيوت والمياه.
- الدم: تحولت مياههم إلى دماء.
رغم هذه الآيات الواضحة، كان فرعون وقومه يظنون أن هذه آيات موسى سبب شؤم لهم، ومع كل عذاب كانوا يأتون إليه ويقولون: "إنك لساحرٌ كذاب"، ثم يعودون بعد أن يشترطوا على موسى أن يكشف عنهم البلاء فيؤمنوا ويتركون بني إسرائيل يهاجرون معه. ولكن، بمجرد ما يرفع الله العذاب، كانوا ينكثون عهودهم.
{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 131].
ثم يصف القرآن كيف كان فرعون وقومه يتعاملون مع الآيات بإنكار شديد، وتظل حالتهم على الجحود والنكث بالعهد رغم كل ما وقع عليهم من البلاء.
نهاية الأمر كانت أن الله تعالى دمرهم بسبب ظلمهم وكفرهم، وكان العذاب الذي لحق بهم عبرة للمكذبين.
غرق فرعون كان النهاية المحتومة للطاغية الذي تحدى الله ورسله، وفي لحظة معجزة كبرى، تجسد هذا العقاب الإلهي الذي أرسل عبر البحر الأحمر.
فرعون، الذي كان يحكم مصر بظلم وجبروت، فشل في فهم ما كان يحدث أمامه، وبعد أن أذن لموسى عليه السلام أن يهاجر ببني إسرائيل، أسرع في جمع جيشه ليلحق بهم ويمنعهم من الهروب. وحدث اللقاء العظيم على الفرع الغربي من البحر الأحمر. بينما كانت بني إسرائيل ترى جيش فرعون يقترب منهم، انتابهم الخوف والهلع. ولكن موسى عليه السلام كان ثابتا، وطمأنهم بثقة في نصر الله:
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (62) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.
ثم جاء أمر الله لموسى عليه السلام، فضرب البحر بعصاه، فانشق البحر ليكون طريقا يابسا بين جبلين عظيمين من الماء، فقال الله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63].
أخذ بني إسرائيل طريقهم عبر البحر، بينما وقف فرعون وجنوده أمام مشهد لا يصدق، إلا أن غروره دفعه أن يتبعهم. وعندما عبر بني إسرائيل بسلام إلى الضفة الأخرى، أمر الله البحر أن يعود كما كان، فغرق فرعون وجنوده في اللحظة التي حاول فيها فرعون الهروب.
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (79) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [يونس: 79].
وفي تلك اللحظات العصيبة، حاول فرعون أن يعلن إيمانه، قائلاً: {آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 91].
لكن الله تعالى رد عليه بأن الإيمان بعد فوات الأوان لا يقبل، فقال له: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 92].
وفي تلك اللحظة، كان قد فات الأوان. ولكن ليكون جسد فرعون آيةً للناس، قال الله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُون} [يونس: 92].
كانت تلك نهاية فرعون عبرة للطغاة والمستكبرين، وآية ماثلة في التاريخ تحذر الناس من العناد أمام إرادة الله.
ذهاب موسى عليه السلام إلى الوادي المقدس
ذهاب موسى عليه السلام إلى الوادي المقدس كان مرحلة عظيمة من مراحل رسالته، مليئة بالمعجزات والتوجيهات الإلهية.
بعد أن نجى بني إسرائيل من فرعون وعبورهم البحر، مروا على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى عليه السلام أن يصنع لهم إلها مثل آلهتهم، وكأنهم نسوا الدروس العظيمة التي شاهدوا معجزاتها، فقال لهم موسى:
📖 {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (139) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (140) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 139-140].
ثم أمره الله أن يذهب إلى جبل الطور للقاء ربه، فترك موسى عليه السلام قومه بقيادة أخيه هارون، وانطلق سريعا إلى الجبل، حيث صام 30 يوما ثم أكمل 10 أيام أخرى بناءا على أمر الله. وعندما سألته الذات الإلهية عن صيامه، بين أنه صام ليكون أقرب إلى الله دون أن تفوح منه رائحة الأطعمة، فكان الخلوف الذي ينبعث من فم الصائم عند الله أطيب من المسك.
بعد إتمام 40 يوما، حدث اللقاء العظيم بين موسى عليه السلام وربه. طلب موسى أن يرى وجه الله، لكن الله أخبره أنه لن يستطيع أن يتحمل رؤية عظمته، وأوضح له أنه يجب أن ينظر إلى الجبل، وإذا استقر مكانه، فإنه سيراه. فلما تجلى الله تعالى للجبل، أصبح الجبل دكا، وانهار أمام قوة التجلي، وسقط موسى عليه السلام مغشيا عليه. وعندما استفاق، قال:
{سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143].
ثم أعطاه الله التوراة، الكتاب المقدس الذي يحتوي على شريعة الله لبني إسرائيل، مكتوبا في ألواح. قال الله لموسى:
{كَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145].
وهكذا، أصبح موسى عليه السلام حاملا للهدى والشريعة التي من شأنها أن تهدي بني إسرائيل وتعلمهم العدل والإيمان.
قصة السامري والعجل
قصة السامري والعجل تعد واحدة من القصص العجيبة التي تتكشف فيها التحولات الكبيرة التي قد تحدث في حياة قوم بعد معجزات عظيمة ورؤية واضحة.
بعد أن غاب موسى عليه السلام عن بني إسرائيل لمدة طويلة، وهم في انتظار عودته، جاءهم السامري الذي استغل حالة الاضطراب بين الناس وغياب قائدهم. فأخرج الذهب الذي كان معهم، والذي جمعوه من المصريين خلال رحلتهم، وصنع منه عجلا. ثم أخذ قبضة من تراب خيل جبريل عليه السلام، الذي مر من المكان أثناء الرحلة، فمسح بها العجل. وعندما فعل ذلك، بدأ العجل يصدر صوتا، فقال لهم السامري: "هذا هو إلهكم الذي ذهب موسى للقاءه".
وبهذه الطريقة، بدأ بنو إسرائيل يعبدون العجل، رغم أنهم شهدوا معجزات عظيمة سابقا. هارون عليه السلام حاول توجيههم، وحذرهم من هذا الانحراف، لكنه لم يجد منهم استجابة، فخشي أن ينقسم بنو إسرائيل بينه وبين السامري، فقرر أن ينتظر عودة موسى عليه السلام.
عند عودة موسى عليه السلام، غضب بشدة عند معرفة ما حدث، فبدأ في التحقيق مع قومه، فسألهم عن سبب عبادتهم العجل، فردوا قائلين أنهم لم يقصدوا نقض العهد، بل أجبروا على ذلك بعدما حملوا أوزارا من زينة القوم، فما كان منهم إلا أن السامري ألقى العجل في أيديهم.
ثم توجه موسى عليه السلام إلى أخيه هارون، مستفسرا عن سبب عدم ممانعته لما حدث، فأجاب هارون عليه السلام قائلا: "إني خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل". وعندما توجه موسى عليه السلام إلى السامري، سمع تفسيره، فقال إنه "رآى ما لم يراه الآخرون"، فأخذ قبضة من أثر الرسول، فألقى بها على العجل. ورفض موسى عليه السلام هذا الفعل بشدة، وأمر بتحريق العجل، ثم نسف أثره في البحر.
أصيب السامري بعد ذلك بداء نبذه الناس بسببه، وأصبح يواجه جزاء فعلته. وأكد موسى عليه السلام أن إلههم هو الله وحده، الذي لا إله إلا هو.
ألواح التوراة ورفع الجبل والسبعين رجلً
بعد أن هدأ موسى عليه السلام من حادثة عبادة العجل، أخذ ألواح التوراة التي كتب فيها شريعة الله وقام بدعوة بني إسرائيل إلى العهد والالتزام بما فيها. لكن بني إسرائيل رفضوا، مما دفع موسى عليه السلام إلى تحذيرهم، ولكنهم استمروا في العصيان. عندها، اهتز جبل الطور وارتفع فوقهم كأنه ظل يوشك أن يقع عليهم، فلما شعروا بأن الهلاك سيصيبهم، قالوا: "سمعنا وأطعنا" خوفا من العذاب. فكان ذلك امتحانا لإيمانهم وطاعتهم {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
ثم اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا من قومه من الذين لم يعبدوا العجل ليذهبوا معه إلى جبل الطور. وهناك، اهتز الجبل بهم، فخاف موسى عليه السلام ودعا ربه، طالبا المغفرة لقومه من هذا الاختبار العسير. فدعا الله قائلا {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}.
بعد ذلك، نزلت غمامة غطت المكان، وأصبح موسى عليه السلام يكلم ربه وهم يسمعون، لكن عندما انتهى من الحديث، أخبروه أنهم لن يؤمنوا ويطيعوا حتى يروا الله جهرة. فغضب الله عليهم بصاعقة، فماتوا جميعا، مما جعل موسى عليه السلام يدعو الله تعالى مجددا، متضرعا أن يغفر لهم، فاستجاب الله لدعائه وأحيى هؤلاء السبعين رجلا. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (56) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
هذه الحادثة تظهر عصيان بني إسرائيل ورغبتهم في رؤيتهم لله جهرة، وتعبر عن التقلبات في إيمانهم، رغم أنهم شهدوا الكثير من المعجزات التي أظهرها الله لهم.
تيه بني إسرائيل 40 سنة
عندما أمر الله موسى عليه السلام أن يسير ببني إسرائيل إلى بيت المقدس، كانوا يواجهون قوما يسمون العماليق في القدس. ورغم أن الله قد وعدهم بالأرض المقدسة، رفض بنو إسرائيل دخولها بسبب خوفهم من هؤلاء القوم الأقوياء. طلب موسى منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، قائلا لهم: {يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}. ولكنهم أصروا على رفضهم، وقالوا: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}.
ثم حاول موسى مع رجلين من الذين يخافون الله أن يقنعوا بني إسرائيل بالاستجابة لأمر الله، وقالا لهم: {ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. ولكنهم ظلوا في عنادهم وقالوا: "لن ندخلها أبدا" طالما أن هؤلاء القوم فيها. فقالوا لموسى عليه السلام: "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هنا قاعدون."
نتيجة لهذا الرفض، دعا موسى عليه السلام الله قائلا: "إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ." عندها قرر الله تعالى أن يحرم عليهم دخول الأرض المقدسة، وكتب عليهم التيه في الأرض لمدة 40 سنة، فلا يجدون مأوى ولا استقرار. وقال الله تعالى في القرآن: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.
هذه الحادثة تعكس عصيان بني إسرائيل وعدم إيمانهم الكامل بوعد الله، بالإضافة إلى جبنهم من مواجهة العماليق رغم أنهم كانوا قد شهدوا الكثير من المعجزات من قبل.
معجزات الله لبني إسرائيل خلال التيه
في سنوات التيه الأربعين التي أمضاها بنو إسرائيل في الأرض بدون مأوى، أرسل الله لهم العديد من المعجزات التي ساعدتهم على الاستمرار في رحلتهم رغم مشقتهم. هذه المعجزات كانت نعمة من الله ورحمه بهم، وهي:
سحابة تظلهم:
طوال فترة التيه، كانت سحابة تظلهم وتحميهم من حرارة الشمس أينما ذهبوا. هذه السحابة كانت تعتبر علامة على رعاية الله لهم، تظلهم من الحر وتوفر لهم الراحة في الظروف الصعبة.
المن والسلوى:
كان المن عبارة عن طعام سائل يشبه العسل، وكان ينزل من السماء كل يوم ليغذيهم. أما السلوى فكانت طيورا صغيرة كانت تسقط عليهم من السماء، فكانوا يأخذونها ويطعمونها. كانت هذه المعجزة تضمن لهم الطعام بشكل يومي دون الحاجة للبحث أو العمل.
الشراب من 12 عين ماء:
في إحدى المرات عندما شعر بنو إسرائيل بالعطش، أمر الله موسى عليه السلام أن يضرب عصاه على الحجر، ففجر الله لهم 12 عين ماء لتسقي كل قبيلة من قبائل بني إسرائيل. كانت هذه المعجزة مصدرا للشراب في تلك الأيام القاحلة، وتأكيدا على قدرة الله ورعايته لهم.
كل هذه المعجزات كانت بمثابة إشارة من الله لبني إسرائيل لتشجيعهم على الإيمان به والتوكل عليه. لكن رغم هذه المعجزات، كان بعض بني إسرائيل يظلون يتذمرون ويعصون أوامر الله.
وفاة موسى عليه السلام ومكان دفنه
عاش موسى عليه السلام في فترة طويلة من حياته في خدمة دعوة الله، وهو قائد بني إسرائيل الذي تحمل العديد من الصعاب، وأرسل الله له المعجزات والآيات التي كانت دليلا على نبوته.
بعد سنوات التيه التي قضتها بنو إسرائيل في الأرض، كان موسى عليه السلام قد كبر في السن، وأدرك أنه لم يدخل الأرض المقدسة بنفسه، إذ حرم الله عليه دخولها بسبب مخالفة بني إسرائيل لأوامره في الماضي. وفي نهاية حياته، طلب موسى من الله أن يدفن قريبا من الأرض المقدسة.
وفي الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام في آخر أيامه، قد مات الجيل الذي عبد العجل، كما مات أخوه هارون عليه السلام. ثم حدثت قصة الخضر مع موسى، وقصة البقرة التي أمر فيها الله بني إسرائيل. وبعد ذلك، مات موسى عليه السلام، وفاءً لوعد الله له.
وقد ذكر النبي ﷺ في حديثه: «دفن عند الكثيب الأحمر -على الطريق إلى القدس- فلو كنت ثم لأريتكم قبره». وهذا يشير إلى المكان الذي دفن فيه موسى عليه السلام، وهو مكان قريب من بيت المقدس، وهو منطقة معروفة بـ "الكثيب الأحمر". وهذا يدل على أن موسى عليه السلام كان مدفونا في مكان مقدس، بعيدا عن الأنظار ولكن يظل قريبا من الأرض التي طالما حلم بها هو وقومه.