"وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سَكِرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ" (الحجر: 14-15).
تعتبر هذه الآيات من الآيات التي تحتوي على إعجاز علمي لافت، حيث تشير إلى حقيقة علمية لم يكن البشر على دراية بها إلا في العصور الحديثة. ففي هذه الآيات، يتحدث القرآن عن السماء وعلاقتها بالأجسام التي تتحرك فيها، وهو ما اكتشفه العلم في وقت لاحق، مع العلم بأن هذه الحقائق لم تكن مفهومة في الزمن الذي أنزل فيه القرآن.
إحدى الأبعاد العلمية التي تكشفها هذه الآيات هي الطريقة التي تتحرك بها الأجسام في السماء، حيث يلاحظ أن حركة الأجسام في الفضاء تتسم بظروف معينة، مثل انعدام الجاذبية أو التغيرات الحركية التي قد تؤدي إلى تأثيرات فسيولوجية على الجسم البشري. ولكن، وعلى الرغم من هذه المعطيات العلمية المتقدمة، كان هناك دائما إنكار من أولئك الذين يعارضون الحقائق الواضحة، كما تشير الآية إلى ذلك بوضوح. فحتى لو شهد الناس هذه الحقائق بأنفسهم، كما لو كان الباب السماء مفتوحا أمامهم ليروا الحركة الحقيقية للأجسام في الفضاء، فإنهم سيستمرون في التشكيك ويقولون إنهم تعرضوا لسحر أو أن أبصارهم قد أغمي عليها.
الآية تسلط الضوء على موقف المكذبين من الحقائق العلمية والبراهين القطعية، فهم لا يعترفون بها حتى في حال رؤيتهم لها بأعينهم. هذا الموقف يعكس التحدي الفكري والإيماني الذي كان ولا يزال يواجهه المؤمنون في مواجهة إنكار الحقائق التي قد تظهر أمامهم، مهما كانت واضحة.
إن الإعجاز العلمي في هذه الآيات يمكن أن يربط بتفسير كيفية تطور الفهم البشري للفضاء وظروفه. ففي العصر الحديث، مع التقدم الكبير في علوم الفضاء واستكشاف الكون، بدأنا نفهم العديد من الظواهر التي تم الإشارة إليها بشكل غامض في القرآن الكريم. وهذا يظهر قدرة القرآن على مواكبة التطور العلمي وتوجيه الأنظار نحو هذه الحقائق حتى قبل أن يكتشفها العلماء.
باختصار، يظهر القرآن الكريم من خلال هذه الآيات مثالا واضحا على الإعجاز العلمي الذي يظل يتكشف للإنسان مع كل اكتشاف علمي جديد. هذه الحقائق العلمية تتوافق مع ما أثبته العلم الحديث، مما يثبت مصداقية القرآن ويعزز إيمان المؤمنين.
أولا: الإعجاز العلمي في قوله تعالى {بابا من السماء}
السماء ليست فراغا كما كان يعتقد
على مر العصور، كان يعتقد العلماء أن السماء ما هي إلا فراغ شاسع ومغلق لا يحتوي على أي مادة أو طاقة. إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة قد قلبت هذا المفهوم رأسا على عقب، حيث أثبتت الدراسات الفلكية أن السماء ليست مجرد فراغ، بل هي بناء معقد ومترابط مليء بالمواد والطاقة. ففي الحقيقة، تحتوي السماء على غازات خفيفة مثل الهيدروجين والهيليوم، بالإضافة إلى انتشار الأشعة الكونية التي تعبر عبر الفضاء بشكل مستمر. كما أن السماء تضم العديد من الأجرام السماوية التي تتحرك في فضاء مليء بالغبار الكوني والإشعاع. هذه الاكتشافات العلمية تتوافق تماما مع ما ذكره القرآن الكريم منذ أكثر من 1400 عام، مما يعكس دقة الوصف القرآني لمكونات السماء وتفاصيلها.
مفهوم "أبواب السماء" في العلم الحديث
من الجوانب المدهشة في القرآن الكريم هو التعبير عن السماء بأنها تحتوي على "أبواب". وهذا التعبير كان يبدو في الماضي غامضا أو غير مفهوم. ولكن مع تقدم العلوم الفضائية، أصبحت هذه الفكرة أكثر وضوحا. تؤكد الدراسات الفضائية الحديثة أنه لا يمكن للإنسان أو الأجسام الأخرى الدخول إلى الفضاء أو الخروج منه إلا من خلال نقاط معينة في الغلاف الجوي أو طبقات الغلاف الخارجي للأرض، التي تشبه الأبواب أو الممرات التي تتيح المرور إلى الفضاء الخارجي. هذه النقاط يشار إليها أحيانا "بالبوابات" السماوية في الأبحاث الفلكية، وهو ما يتماشى تماما مع تعبير القرآن الكريم عن السماء بأنها تحتوي على "بابا من السماء". هذا التوافق بين الوصف القرآني والدراسات العلمية الحديثة يظهر دقة المصطلحات القرآنية وملاءمتها للمعرفة التي اكتسبها الإنسان عبر العصور.
إذن، يظهر الإعجاز العلمي في قوله تعالى {بابا من السماء} في أن القرآن الكريم قد سبق العلماء في تحديد طبيعة السماء وحركتها، مما يعزز من صحة هذا النص ويؤكد دقته في وصف الظواهر الطبيعية التي لم تكن مفهومة بشكل كامل إلا في العصر الحديث.
ثانيا: الإعجاز العلمي في قوله تعالى {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}
مفهوم العروج علميا
كلمة "العروج" في اللغة تعني السير في مسار متعرج أو منحني. علميا، يمكن تفسير العروج على أنه حركة الأجسام في مسارات منحنية أو دائرية نتيجة لوجود قوى متعددة تؤثر على هذه الأجسام. في الفضاء، هذا التعرج يحدث بشكل طبيعي نتيجة للتوازن بين الجاذبية والقوى الطاردة التي تعمل على الأجرام السماوية. هذه الظاهرة تتفق تماما مع ما ذكره القرآن الكريم، الذي وصف حركة الأجسام في السماء بأنها "عرج" أو تسير في مسارات منحنية.
كيف تتحرك الأجسام في الفضاء؟
عند إطلاق أي جسم من الأرض، لا يسير هذا الجسم في خط مستقيم كما قد يعتقد البعض. بل يتخذ مسارًا منحنيا نتيجة لجاذبية الأرض، التي تؤثر عليه بشكل مستمر. حتى رواد الفضاء الذين ينطلقون إلى الفضاء الخارجي لا يتحركون في خط مستقيم، بل يتبعون مسارا منحنيا على مدار رحلتهم. هذا المسار المنحني ناتج عن التفاعل بين الجاذبية الأرضية والقوى الأخرى التي تؤثر على حركة الجسم، ويؤكد صحة ما ورد في القرآن الكريم عن العروج في السماء.
ارتباط سرعة العروج بقوى الجذب والطرد
في الفضاء، يتعرض كل جسم لقوى متعارضة تؤثر عليه بشكل مستمر:
- الجاذبية: التي تسحب الجسم نحو الأرض أو نحو أي جرم سماوي آخر.
- القوة الطاردة: الناتجة عن السرعة العالية التي يتحرك بها الجسم والتي تدفعه بعيدا عن المركز.
عند توازن هاتين القوتين، يبدأ الجسم بالدوران حول الأرض أو أي جرم آخر، وهذا ما يلاحظ في حركة الأقمار الصناعية التي تدور في مدارات ثابتة حول كوكب الأرض. الحركة المنحنية التي وصفها القرآن الكريم في آية {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} تتطابق تماما مع هذه الظاهرة العلمية التي يراها العلماء اليوم.
سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية
لإرسال مركبة إلى الفضاء، يجب أن تحقق هذه المركبة "سرعة الإفلات"، وهي السرعة التي تمكنها من التغلب على الجاذبية الأرضية والانطلاق في الفضاء الخارجي. هذه السرعة تكون أكبر من سرعة الجسم الذي يتحرك ضمن جاذبية الأرض، وهي تتيح له الوصول إلى مدار ثابت حول الأرض أو إلى أماكن أبعد في الفضاء. إن التفسير العلمي لهذه السرعة يتماشى مع فكرة العروج، حيث يجب أن يتم تجاوز الجاذبية الأرضية للوصول إلى المسارات المنحنية التي تتحرك فيها الأجرام السماوية.
تظهر هذه الظواهر العلمية كيف أن القرآن الكريم وصف بدقة حركة الأجسام في الفضاء، والتي لا تكون في خط مستقيم بل في مسارات منحنية نتيجة للتوازن بين القوى المتعارضة في الفضاء. من خلال هذه الآيات، يظهر الإعجاز العلمي في القرآن الذي يتوافق مع الاكتشافات الحديثة في علم الفضاء، ويعزز من صحة المعاني القرآنية التي كانت مجهولة للإنسان حتى العصر الحديث.
ثالثا: آيات قرآنية أخرى تؤكد مفهوم العروج
لم تكن الآية التي تحدثت عن "العروج" في القرآن الكريم هي الوحيدة التي تتناول هذا المفهوم العلمي، بل جاءت آيات أخرى في القرآن تذكر العروج بشكل صريح، مما يعزز الفهم العميق لهذا المصطلح ويظهر توافقه مع المفاهيم العلمية الحديثة. من أبرز هذه الآيات:
{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} (سبأ: 2)
هذه الآية الكريمة تشير إلى صعود الأشياء (العروج) ونزولها، مما يتوافق مع قوانين الجاذبية والفيزياء الفلكية التي تحكم حركة الأجرام السماوية. في هذا السياق، "العرج" يشير إلى حركة الأجسام السماوية التي تتبع مسارات منحنية نتيجة تأثيرات الجاذبية. كما أن الآية تشمل الفهم الكوني للحركة، التي تبرز فيها حركة الأجسام من الأرض إلى السماء والعكس، وهو ما يتماشى مع ما اكتشفه العلماء في الفضاء.
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (السجدة: 5)
في هذه الآية، يتم الإشارة إلى تداخل الزمان والمكان بين الأرض والسماء، حيث يتحدث القرآن عن الزمن الذي يمر في السماء مقارنة بما ندركه على الأرض. "العرج" هنا يشير إلى العودة أو الصعود من الأرض إلى السماء، وقد يتماشى مع مفهوم التغيرات الزمنية التي أشار إليها أينشتاين في نظرية النسبية. حيث أن الزمن في الفضاء يختلف عن الزمن الذي نعيشه على سطح الأرض، ويظهر أن القرآن قد أشار إلى هذا الفرق الزمني قبل أن يكتشفه العلماء.
{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} (المعارج: 4)
الآية الكريمة تشير إلى أن الملائكة والروح (وهي روح القدس أو جبريل) تصعد إلى الله تعالى في يوم مقداره خمسين ألف سنة من أيامنا. هذه الآية تتعلق بتمثيل الحركة العرجية التي تحدث عبر المسافات الكبيرة في السماء، وتعكس الفهم المتقدم لمفهوم الزمن والمكان. الفرق بين الزمن الأرضي والزمن الكوني يظهر التفاوت الكبير في سرعة الحركة وتأثيرها على مرور الوقت، مما يتوافق مع ما أشار إليه العلماء في سياق نظرية النسبية وأبحاث الفيزياء الفلكية.
تظهر هذه الآيات الكريمة كيف أن القرآن الكريم يطرح مفهوم العروج ليس فقط في سياق الحركة الفيزيائية للأجرام السماوية، ولكن أيضا في معاني عميقة تتعلق بالزمن والمكان. هذا التوافق بين الوصف القرآني والاكتشافات العلمية الحديثة يعزز من الإعجاز العلمي في القرآن، حيث تكشف الآيات عن دقة تصف الحركة في السماء والأرض، والاختلافات الزمنية بينهما، بما يتماشى مع القوانين الفلكية والفيزيائية التي لم يكن للإنسان علم بها إلا في العصر الحديث.
رابعا: لماذا أنكر الكفار الحقائق رغم وضوحها؟
الآية الكريمة التي تتحدث عن "فتح باب من السماء" ورؤية الناس للأشياء بعينهم تبرز جانبا نفسيا مهما في سلوك البشر عندما يواجهون الحقائق الواضحة. فقد أكدت الآية على أن حتى لو شاهد المكذبون هذه الحقائق بأعينهم، فلن يترددوا في إيجاد تبريرات لتنكرها. كما قال تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سَكِرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} (الحجر: 14-15).
التفسير النفسي للإنكار
إن هذه الآية تسلط الضوء على طبيعة النفس البشرية في مواجهة الحقائق التي تتعارض مع معتقداتها السابقة. الإنسان، في كثير من الأحيان، يرفض الاعتراف بالحقيقة حتى وإن كانت واضحة أمامه، وذلك بسبب مقاومته للتغيير والتحدي الذي قد تطرحه الحقائق الجديدة على أفكاره ومعتقداته المسبقة. فالمكذبون يتجاهلون الحقائق، ويرون فيها تهديدا لراحتهم النفسية والعقلية، مما يجعلهم يصرون على الإنكار رغم الدلائل القاطعة.
رفض الاعتراف بالحقائق العلمية
إن هذا السلوك من الإنكار لا يقتصر على المكذبين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هو سمة متكررة في التاريخ البشري. فحتى في العصر الحديث، نلاحظ أن بعض الأشخاص، رغم وجود الأدلة العلمية الجلية على صحة العديد من الحقائق، يرفضون قبولها ويستمرون في التشكيك. هذا التوجه ينطبق على العديد من الظواهر العلمية المعروفة مثل نظرية التطور، التغير المناخي، وغيرها من الحقائق التي يرفض البعض الاعتراف بها رغم الأدلة والبراهين القوية.
الإنكار بسبب الجهل والغرور
كما أن الجهل يلعب دورا كبيرا في إنكار الحقائق، فإن الغرور أيضا يعد عاملا مهما. العديد من المكذبين يرفضون الاعتراف بالحقائق العلمية أو الدينية لمجرد أن ذلك قد يتناقض مع تقديرهم لذاتهم أو مكانتهم الاجتماعية. مثل هذا السلوك لا يتوقف عند حدود الإنكار العقلي، بل يمتد إلى محاربة تلك الحقائق بطريقة تدافع عن مصالحهم الشخصية أو الاجتماعية.
الخوف من التغيير والتهديد
الإنكار ليس فقط نتيجة لعدم الفهم أو الجهل، بل أيضا يمكن أن يكون نتيجة الخوف من التغيير. التغيير قد يكون مرعبا للبعض، خاصة عندما يهدد معتقداتهم أو يفرض عليهم إعادة النظر في حياتهم ومواقفهم. فعندما يرون الحقائق العلمية أو الدينية التي تتعارض مع ما كانوا يؤمنون به، يلجؤون إلى الإنكار كآلية دفاعية لحماية أنفسهم من هذا التغيير النفسي الكبير.
إن القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة يكشف لنا عن سلوك البشر في مواجهة الحقائق، حيث يعكس الإنكار المستمر من الكفار حتى في حال وضوح الحقائق أمامهم. هذه الآية تبرز جانبا نفسيا عميقا من الطبيعة البشرية، يظهر في مقاومة التغيير والخوف من الاعتراف بالحقائق التي قد تهدد أيديولوجياتهم ومعتقداتهم. ومن خلال هذا الفهم النفسي، نلاحظ أن المواقف البشرية من الحقائق تتكرر عبر الزمن، مما يجعل هذه الظاهرة سمة مشتركة بين المكذبين عبر العصور.
خاتمة
لا شك أن هذه الآيات الكريمة تحمل دلائل إعجازية علمية مذهلة تتكشف مع تطور المعرفة البشرية. فقبل أكثر من 1400 عام، أخبر القرآن الكريم عن طبيعة السماء وحركة الأجسام فيها، وهي حقائق لم يتم التوصل إليها علميا إلا في العصر الحديث من خلال أبحاث الفضاء والفيزياء الفلكية. هذا التوافق بين ما ذكره القرآن وما أثبته العلم الحديث يعزز من صدق القرآن الكريم ويؤكد أنه كلام الله الخالق، الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة.
إدراك هذه الحقائق الكونية يزيد من يقين المؤمن بصدق رسالة القرآن الكريم ويقوي إيمانه بعظمة الخالق. كما أن هذا الإعجاز العلمي يشجع الباحثين والعلماء على مواصلة التدبر في آيات الله الكونية، لاستكشاف المزيد من جوانب عظمة الخلق وحكمة الله البالغة في الكون. إن القرآن الكريم لا يزال مصدرا لا ينضب من العلم والمعرفة، يفتح أمامنا آفاقا جديدة لفهم الكون وكل ما فيه، مما ينعكس في تعزيز الإيمان والإعجاب بعظمة الخالق في كل جانب من جوانب الحياة.